الرأي

اللغة الدارجة ومجاوراتها

أسامة الزكاري    

استاذ باحث في التاريخ و القضايا المعاصرة 

عرفت الساحة الوطنية تضخما غير مبرر – على الإطلاق – لسجال مفتعل حول قضايا الإشكال اللغوي ببلادنا، ليس من موقع البحث المتمكن والتنقيب الرصين المتطلع إلى خلق شروط التأطير الأكاديمي لسلطة القرار السياسي، ولكن – أساسا – من موقع الفعل الجمعوي أو الإعلامي المرتبط بدوائر صنع الفقاقيع الناظمة لجهود تمرير القرارات والمواقف والمبادرات، بعيدا عن شروط التأصيل العلمي وعن أبجديات الرؤى الاستراتيجية المتزنة التي يمكن أن تؤسس لسمات النضج في القرارات التي ترسم معالم المستقبل. فعوض أن يخرج هذا السجال، ولا أقول النقاش، من بين جدران الجامعة، أو من بين أسوار مراكز البحث المتخصصة، أو من صفوف المنتديات العلمية المتحررة من إكراهات ضغط القرب أو البعد من سلطة القرار ببلادنا، اتجه الجميع نحو مجاراة مبادرات سلط موازية التفت حول بعض الجمعيات أو اللقاءات أو التصريحات المرتجلة في حججها العلمية، والمتهافتة في سقف طموحاتها، والضعيفة في تحاليلها وفي أساليب برهانها. وازداد الأمر تعقيدا بانتقال السجال إلى منتديات التواصل الاجتماعي على ضفاف الشبكة العنكبوتية وكذا على صفحات الجرائد الوطنية، ليفرز لغطا غير مسبوق في تاريخ تدافع الرؤى والمواقف تجاه المسألة اللغوية ببلادنا. واتضح أن الأمر يتجاوز مجرد كونه إشكالا تقنيا مرتبطا بجهود البحث عن الآليات الفعالة لتبليغ المعارف والعلوم والفنون للأجيال الناشئة، إلى مستوى التشكيك في قدرة اللغة العربية على مجاراة عصرها، في مقابل فتح الباب أمام دعوات ملتوية للتمكين لمشاريع بديلة لن يكون الإطار الفرانكفوني إلا سقفها العام المنتظر، أو ” منقذها من الضلال “.

وبعيدا عن مقاربة الموضوع من منطلق روح ” المؤامرة “، أو بالاستناد إلى مبدأ محاكمة النوايا، أو بالتبرير لنزوعات مصادرة آراء الناس ومواقفهم، نرى لزاما العودة لمقاربة الإشكالية المطروحة حاليا انطلاقا من مداخل أساسية، نعتبرها حجر الزاوية لفهم ” واقع الحال ”  وللكشف عن المبررات والمواقف، المستترة أو المعبر عنها. تتوزع هذه المداخل على الشكل التالي :

أولا – يبدو أن السجال المهيمن على الساحة حاليا يفتقد – في الغالب الأعم – لشروط التأسيس لمشاريع منتجة للأفكار وللمبادرات، مادام أن الأمر أضحى مستباحا أمام الجميع. فالكل أصبح مهتما  بالشأن اللغوي ببلادنا، والكل أصبح يمتلك الجرأة للخوض في الموضوع، والكل أصبح ينصب نفسه حارسا أمينا على مصير الأجيال الصاعدة. وداخل كل هذه السجالات / الفقاقيع، كان صوت الباحث الأكاديمي يشكل الحلقة الرئيسية الغائبة عن الساحة. فكيف وقع ما وقع حتى أصبحت الساحة الفكرية مستباحة بهذا الشكل ؟ وكيف أصبح للموضوع رواده وفرسانه الذين لا يشق لهم غبار ؟ وكيف وصلنا إلى حالة التبخيس الشامل لقيم المعرفة العلمية ولمنطلقاتها الأكاديمية المعروفة ؟ ولماذا كل هذا الحرص على تهريب النقاش بعيدا عن المنتديات العلمية، داخل الجامعة وخارجها، وربطه برؤى تقنوقراطية نيوليبرالية تطرح نفسها بديلا عن انحسار سقف التأطير العلمي للمبادرات وللأفكار و – أساسا – للقرارات ؟

ثانيا – تأسيسا على الملاحظة السابقة، يبدو غريبا نزول بعض الأسماء المعروفة بمكانتها المعرفية والثقافية، وطنيا ودوليا، لإبداء رأيها في الموضوع. ويعود مصدر الاستغراب إلى افتقاد الساحة لشروط الحوار المنتج، مادام أن الأمر لا تستقيم منطلقاته بالجمع بين فاعلين أكاديميين من جهة، وبين بعض أقطاب العمل الجمعوي وسلط عوالم المال والأعمال والإعلام الفرانكفوني الموجه من جهة ثانية. فمع من تتحاور هذه الفئة من المثقفين ؟ وما هو أفق الحوار المفترى عليه ؟ ألا يرهن نفسه داخل سقف إكراهات المرحلة ؟ ألم يكن من الواجب اتخاذ المسافة الضرورية تجاه تراتب الوقائع قبل استصدار أي أحكام ومواقف ؟ ثم، ما الجدوى – أصلا – من إطلاق التصريحات هنا وهناك، ومن هذا المنبر الإعلامي أو ذاك، إذا كان الأمر لا يتجاوز حدود التعبير عن الموقف وتجسيدا لرد الفعل تجاه مبادرات مكشوفة النوايا والأهداف ؟ وهل يحق للباحث الأكاديمي أن يسجن مواقفه داخل الدائرة الضيقة لمواقف ردود الأفعال الآنية واللحظية ؟

ثالثا – لا تعكس التساؤلات المدرجة أعلاه – إطلاقا – أي نزوعات نحو مصادرة الرأي أو التشكيك في النوايا، بقدر ما أنها دعوة مفتوحة لكي لا ينزلق الفاعل الأكاديمي نحو مهاوي الإسفاف والابتذال والانخراط في سجالات تسطيحية، لا شك وأنها تمس بوضعه الاعتباري داخل وسطه ومجتمعه.

رابعا – لا شك أن موقع اللغة العربية يظل  مركزيا في كل مشاريع النهوض الثقافي والعلمي والاجتماعي ببلادنا. ولن  تتأثر هذه اللغة بدعوات “التدريج ” المنبعثة من هنا أو هناك، ولهذا الدافع أو ذاك. كما أن التشكيك في قدرتها على استيعاب قيم المنظومة التربوية الوطنية المعاصرة، يعد التفافا على المشكل اللغوي في أفق التمهيد لفتح الباب أمام لغة ” الآخر ” كاختيار بديل عن حالة ” الفوضى اللغوية ” التي يراد تعميمها داخل البلاد، في أفق التمكين للغة المستعمر السابق لكي تنتصب كحكم وكمرجع فوق الجميع.

خامسا وأخيرا – تنطلق هذه الملاحظات المدخلية من حقيقة راسخة ومن واقع ثابت، أساسه التأكيد على مشروعية دعوات دعم مكانة اللغة العربية، إلى جانب اللغة الأمازيغية، كلغة للعلم وللمعرفة وللتواصل وللإبداع. ولعل هذا المنحى التأصيلي يشكل خير رد لإسقاط كل المشاريع الفرانكفونية المتلونة برداء الحداثة والمتباكية على مكانة ” الدارجة ” المغربية المفترى عليها.

وداخل إطار هذه الملاحظات المدخلية، يمكن الاجتهاد لرسم معالم الانتقال المنشود، بعيدا عن ضجيج الإعلام، وبعيدا عن الفرقعات التي غالبا ما تتوخى التمهيد لتمرير القرارات والمواقف، وقريبا من روح التحول المنشود، التحول المخلص لقيم الانتماء الجماعي ولشروط العيش المشترك داخل الأنساق الفكرية والثقافية المشتركة لمغاربة المرحلة.    

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock