الرأي

الزمن السياسي المغربي .. غبار المعارك الدونكشوتية

أسامة الزكاري                      

أستاذ باحث في التاريخ و القضايا المعاصرة

لا شك ان المتتبع لضجيج تفاعل تداعيات الأحداث الراهنة التي يعيشها المغرب، سيصاب بحالة من الغثيان المزمن، بالنظر لبؤس المآل الذي انتهى إليه أداء نخب المرحلة، سواء من داخل دواليب الجهاز المخزني، أو من داخل تنظيمات الأحزاب الوطنية والديمقراطية. لا يتعلق الأمر بتدافع مواقفي مرتبط بتباين الرؤى والمنطلقات والمرجعيات في قراءة تعقيدات الواقع وسبل التعاطي مع إكراهاته، بقدر ما أنه يعكس حالة الفوران العقيم الذي أضحى يميز الحياة السياسية الوطنية. وإذا كان الحديث عن تحولات المشهد الحزبي الراهن يحمل الكثير من الإحالات التأصيلية التي تعود بالظاهرة إلى جذورها التاريخية المؤسسة، فإن تطوراتها الراهنة تجعل المتتبع يقف حائرا ومستغربا أمام حجم التحول – في اتجاهه السلبي بطبيعة الحال – الذي أفضى إلى هيمنة حالة التردي شبه المطلق في الأداء وفي الخطاب وفي الممارسة. وقد ازدادت حدة النكوص العارم بروزا مع استفحال تداعيات انتكاس الأحلام النرجسية لحركة ” 20 فبراير ” ولمثيلاتها من الحركات الاحتجاجية التي أفرزها مخاض الربيع العربي ببلادنا وبمحيطنا العربي الواسع. ولعل من أهم الإفرازات التي ارتبطت بهذه الانتكاسة في الخطابات التأطيرية والتنظيرية للفاعلين السياسيين للمرحلة، خضوع البلاد لحالة الغمر الشعبوي إلى حد الإشباع .. غمر طوفاني لا شك وأنه فرض إعادة تقييم المنطلقات ” البديلة ” للعمل الحزبي الوطني وفق ما تم تدجينه بحسب ما يستجيب لضرورات التطويع المخزني والاستيعاب التقليداني والبوار المعرفي والفكري المهيكل للخطاب وللممارسة. ولن يتطلب الأمر  بذل الكثير من الجهد للكشف عن تلاوين هذا المآل، سواء بمقارنته بتجارب جيل التأسيس للعمل للحزبي الراشد خلال ثلاثينيات القرن الماضي، أو من خلال تبعات حالة التردي التي أضحت تتنكر للبعد التاريخي لقضية الانتقال الديمقراطي ببلادنا ولارتباطاته بمجمل التحولات التي يعرفها العالم على مستوى تجديد خطاب الحريات الأساسية وحقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة الانتقالية …

من هذا المنطلق، يمكن استحضار تمظهرات حالة التردي المزمن من خلال بعض المؤشرات الدالة، ذات العمق التاريخي التفسيري والسياق السوسيولوجي التفكيكي. وبما أن المجال لا يسمح بتفصيل الحديث عن جميع أشكال التعبير الجماعي عن حالة الخلل التي حددنا معالمها أعلاه، فإننا نكتفي بالاسترشاد ببعض السياقات المهيكلة لتحولات ” الزمن الحاضر ” قصد استكناه عتبات منطلقات سيادة عناصر التسطيح والتمييع والتبخيس في الأداء الجماعي المفسر لتحولات المشهد الحزبي بالمغرب الراهن. تتوزع هذه الملاحظات على الشكل التالي :

أولا – يبدو أن العودة لسياقات التأسيس التاريخي للتنظيمات الحزبية الوطنية الأولى خلال ثلاثينيات القرن الماضي، وخاصة مع ظروف ميلاد كتلة العمل الوطني سنة 1933 بالمنطقة السلطانية وحزب الإصلاح الوطني سنة 1936 بالمنطقة الخليفية، تبرز مفارقات جوهرية بين نبل الفكرة وبؤس المآل .. بين طموح الرواد ونزوعية ورثة تركة النضال الوطني السياسي لعقود الاستقلال .. بين حماس التأسيس وإحباطات المرحلة …

ثانيا – شكلت تجربة التأسيس مناسبة تاريخية للتأصيل لقيم العمل الحزبي الراشد، المبادر والمؤسس. ونتيجة لذلك، ارتبطت التجربة بأعمال تنظيرية رائدة شكلت السقف العام المؤطر لمجمل المبادرات. باختصار، يتعلق الأمر بكتابات تنظيرية ساهمت في رسم معالم بوصلة الأداء الحزبي وخلفياته الثقافية والفكرية المميزة. فأين نحن – اليوم – من الكتابات التنظيرية للرواد المؤسسين من أمثال علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني وعبد الخالق الطريس  وعبد الله إبراهيم … ؟

ثالثا – إذا تجاوزنا مرحلة الميلاد، ظلت قاعدة الاشتغال النظري صفة لازمة لمجمل الحركات الانشقاقية التي عرفها الأداء الحزبي لمرحلة التأسيس.  نسوق هذه الملاحظة ونحن نستحضر كتابات محمد بن الحسن الوزاني عقب تأسيس حزب الشورى والاستقلال، وكتابات المهدي بن بركة عقب تأسيس حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وأدبيات الحزب الشيوعي المغربي … بمعنى أن الموقف العام، في اتجاه تدعيم وحدة الحزب أو الانشقاق عنه، ظل مسنودا إلى عمق فكري ورؤية تنظيرية، شكلت صمام الأمان ضد كل الانزلاقات، ونحو تحصين الأداء الحزبي وإسناد شرعيته برؤى تسمو بالمواقف عن الوقوع في مطبات الحلقية وردود الأفعال الضيقة والشعبوية الطافحة والذاتيات النزوعية والقراءات التبسيطية … فهل تحمل مجمل حركات الانشقاق السياسي الراهن بعضا من هذه المحددات ؟ نطرح هذا السؤال ونحن نستحضر – على سبيل المثال لا الحصر – الصورة التوثيقية الشهيرة للجلسة الافتتاحية للمؤتمر الوطني العام للاتحاد الوطني للقوات الشعبية سنة 1962، حيث تظهر منصة المؤتمر وهي تضم نخبة من رجالات العمل الوطني والعلمي والنقابي وفصائل المقاومة، من أمثال محمد الفقيه البصري والمهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد  والشيخ مولاي محمد بن العربي العلوي وعبد الرحمان اليوسفي … صورة تركيبية تختزل طبيعة المسار العام الذي رسمه العمل السياسي المبادر داخل تربة مغرب فجر الاستقلال السياسي ..

رابعا – يبدو أن العمق الفكري المؤطر للمبادرات السياسية قد توارى خلف ضجيج خطابات التهييج لنخب تعيد تشكيل صورة  ” الفاعل المنتظر ” لعقود مغرب بداية القرن 21. إنها صورة الزعيم الشعبوي، الذي يمتهن وظيفة دغدغة عواطف الجماهير بأسلوب النميمة السياسية وافتعال المعارك الوهمية وتحريف الصراع عن جوهره الأصلي. ولعل في الحروب الدونكشوتية للقيادة الحالية لحزب الاستقلال ضد حكومة عبد الإله بن كيران وفقاقيعها المسترسلة خير دليل على ما نقول … هذه الحروب التي كشفت عن ضحالة غير مسبوقة وعن إسفاف غير مألوف وعن انزياحات غير مقبولة. إنها لغة ” بديلة “، تبخس قيم العمل السياسي الراشد وتحتقر ذكاء المتلقي وتشخصن المواقف، دفاعا عن الحنين لممارسات مخزنية بائدة تبحث لنفسها غن شرعيات لا تحترم المنطق ولا السياق ولا الأخلاق ولا الضرورات التاريخية. لا يتعلق الأمر – في هذا المقام – بأي نزوع نحو تبني المنطق التبريري السهل المدافع عن موقف هذا الطرف أو ذاك، بقدر ما أنه إخلاص للمبدأ الديمقراطي الأصيل الذي يتجاوز ” الحضن الدافئ للمخزن ” ويقطع مع ثقافة التعيين ويؤسس لمبادئ الانتخاب، ذلك أن بن كيران وحزبه لم يصلا إلى رأس الحكومة بقرارات فوقية أو بانقلاب موجه أو باستئصال للخصوم، بقدر ما أن هذا الوصول يجسد سلطة الشعب وسيادته التي عبر عنها من خلال صناديق الاقتراع خلال آخر انتخابات تشريعية عرفتها بلادنا. لذلك، لا يمكن لأي ديمقراطي أصيل إلا أن يطالب بتمكين الحزب الذي فاز في هذه الانتخابات من تحمل كامل مسؤولياته في تسيير شؤون الحكم، أما حركات الانقضاض على التجربة من الداخل والطعن في مبادراتها خارج القواعد الديمقراطية المتعارف عليها، فإنه أمر يعيد المغرب خطوات إلى الوراء، ويفتح الباب أمام كل سبل التآمر على الإرادة الشعبية. وغني عن التذكير، أن مثل هذا الكلام لا يحمل أي نبرة دفاعية عن تجربة الحكومة الحالية ولا عن الحزب المهيمن داخلها، بقدر ما أنها تخلص لنبض الديمقراطية العميق كما جسدته / وتجسده أعتى الديمقراطيات المعاصرة في الدول الرائدة في هذا المجال.

.. وبعد، يبدو أن حالة الانكسار التي يعيشها المشهد السياسي المغربي الراهن، بتصاعد نزوعات ” الشباطية ” في التأطير وبخفوت وهج المعارضة الوطنية الأصيلة – واليسارية تحديدا -، قد فتح الباب أمام إفراغ العمل الحزبي من الكثير من عناصر النبل والإبداع والمبادرة التي صنعت تألق التجربة خلال مرحلة الميلاد المرتبطة بظروف الاستعمار أولا، ثم بظروف مرحلة ما بعد الاستقلال السياسي ثانيا. إنها انتكاسة لمشروع التغيير السياسي وإجهاض لحلم البناء الديمقراطي، في مقابل تجدد أذرع المبادرة داخل دوائر سلط المخزن وآلياته المخلصة لمبدأ تجديد الوسائل التحكمية داخل الدولة والمجتمع على حد سواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock