الرأي

الحوار العلماني الإسلامي بالمغرب .. بين ثقل اليقينيات وإكراهات المرحلة

أسامة الزكاري   

باحث في التاريخ المعاصر والراهن

zougariousama@gmail.com

لا شك أن العودة المتجددة للتأمل في حصيلة أجواء التدافع التي تميز المشهد السياسي الراهن، تثير الكثير من عناصر الإثارة والإغراء بالنسبة للباحث المهووس بالتفاصيل، بالسياقات وبالإبدالات. ولا شك أن تحيين مضامين هذه القراءة يحمل المفاتيح الضرورية لفك منغلقات ” حوار الطرشان ” الذي طبع الأجواء العامة المؤطرة للعلاقات المتنافرة بين المكونين الإسلامي والعلماني داخل فضاء الفعل والمبادرة للزمن المغربي الراهن. ولا شك كذلك، أن الأمر أضحى يمارس جاذبية من كل الاتجاهات قصد الانكباب لتنظيم العمل الجماعي حول أسئلة المرحلة، وحول انكساراتها، وحول انتظاراتها. وإذا كان موضوع التقاطب الإسلامي / العلماني قد ظل يثير الكثير من عناصر الانزياح نحو عقلنة المشهد السياسي الوطني، ونحو تغليب رؤى المصلحة ومنطقها الوظيفي المباشر، فإن المجال ظل مكتنفا بالكثير من حقول الألغام ومن الفخاخ المتبادلة، بل وبكثير من علامات ” سوء الفهم المتبادل ” بالنسبة لكل طرف تجاه الطرف الآخر. ونتيجة لذلك، تعرضت التيارات المتواجهة لحالة إنهاك مستدام، جعلها تقف أمام صخرة مؤسسة المخزن، بتعبيراتها المادية والرمزية، لتعلن عن نوع من المكاشفة، مع الذات ومع الآخر، في نوع من النقد الذاتي الذي يعيد تركيب الوقائع وتفسير الإخفاقات وتشريح ممكنات النهوض.

       لقد انتبهت قطاعات واسعة من هذه التيارات إلى أنها سلخت من عمرها السياسي الكثير من الجهد ومن الوقت، في خوض حروب دونكيشوتية بالوكالة، ربما أعاقت مسار الانتقال الديمقراطي ببلادنا، وأبطأت وتيرة اشتغال دوراته. فخلف غبار حملات التنكر المتبادل وعواصف الحملات الموجهة ومنقلبات المواقف الجاهزة والمستنسخة، كانت الدولة العميقة تحسن التقاط التفاصيل لتوجهها وفق ما يخدم مصالحها ووفق ما يضمن لمؤسسة المخزن دوام سطوته وامتداداته المتداخلة والمتحكمة في واقع الدولة والمجتمع المغربيين، سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا.

       وتحت تأثير تغيرات المحيط العربي، وخاصة مع تفاعل وقائع ” الربيع العربي ” المؤجل، وأمام هول حجم التراجع والانتكاس الملاحظ داخل نهر هذا “الربيع ” المغدور، وذلك بالكثير من الأقطار العربية وعلى رأسها مصر وليبيا وسوريا، كان لزاما العودة للرفع من إيقاع التفكير في الهواجس المشتركة، وفي سبل التصدي لحالة التردي الشامل التي أضحت تشكل تسوناميا شاملا يهدد الجميع. واتضح أن الحوار العلماني – الإسلامي الذي انطلق خجولا في منتديات عربية معزولة هنا وهناك، أصبح ضرورة مستعجلة لإنقاذ ” ما يمكن إنقاذه ” وللتأصيل لشروط الانتقال الحقيقي نحو الديمقراطية ونحو ثقافة حقوق الإنسان وقيم الحق والعدل والكرامة والمساواة. وإذا كنت في هذا المقام لا أنوي إعادة التذكير بأهم المحطات، التاريخية النوعية، التي ساهمت في التأسيس للمنتديات الجنينية لهذا الحوار المؤجل، فالمؤكد أن طرح الأسئلة المدخلية تشكل – في نظرنا المتواضع – مداخل أساسية لاستشراف عتبات الموضوع، بعيدا عن كل اليقينيات المطمئنة لقناعاتها وعن كل الشعارات المستنسخة والسهلة، والتي تعيد إنتاج نفس أزمات هذا الحوار وتفرغ بنياته الموجهة من أسس الانطلاق ومن شروط التخصيب والإغناء. تتوزع هذه المقدمات على الشكل التالي :

       أولا – لا يمكن الحديث عن أي إنضاج إجرائي للحوار العلماني – الإسلامي، بدون مساءلة المفاهيم المهيكلة المرتبطة بحقيقة وجود  تيار علماني وآخر إسلامي، بمرجعياته الفكرية الواضحة وبسياقات التبلور التاريخي لهذه المرجعيات وبامتداداتها الجماهيرية المحتضنة. فالأمر، من هذه الزاوية، يظل مكتنفا بالكثير من الإشكالات المنهجية التي تحتاج للتوضيح وللضبط، حتى تنقشع الطبقات السميكة من الضباب الناجم عن الكليشيهات الجاهزة وعن الأحكام المسبقة. فهل يوجد بالمغرب اليوم تيار علماني بأصول فلسفية واضحة وبرؤى مواقفية متناسقة ؟ وعن أي تيار إسلامي نتحدث ؟ هل يتعلق الأمر بتيارات متجانسة في رؤاها وفي مواقفها وفي مبادراتها، أم بفعاليات معزولة هنا وهناك، غالبا ما ظلت تغرد خارج نظيمة سرب ” القبيلة ” ؟ أم أن الأمر لا يتعلق – وكما وصفها الأستاذ محمد الساسي في لقاء حول الموضوع احتضنته مدينة الرباط يوم 6 أبريل 2014 – إلا ” بحساسيات علمانية ” و ” حساسيات إسلامية ” ؟

       لا شك أن ثقل التاريخ أضحى سلطة فوق كل السلط، بما خلق من حالات التنافر داخل مكونات الذاكرة المشتركة للإسلاميين وللعلمانيين خلال المرحلة الراهنة. ونتيجة لكل ذلك، ظل كل طرف يستنجد بحمولاته التاريخية الخاصة وبتأويلاته المميزة للوقائع، قصد إشهارها في وجه غريمه كلما تطلب الأمر ذلك. فمن جريمة اغتيال عمر بن جلون على سبيل المثال لا الحصر، إلى تداعيات التحرك الواسع للشارع الإسلامي المناهض ” للخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية ” والشهيرة باسم خطة الوزير السعدي، واستحضارا لأشكال دعم النخب العلمانية لمخططات المخزن الهادفة إلى تقويض نفوذ الحركات الإسلامية وامتدادها داخل الشارع المغربي خاصة عقب الأحداث الإرهابية التي هزت مدينة الدار البيضاء يوم 16 ماي من سنة 2003، ومرورا بمختلف أشكال التدافع التي أفرزها تنصيب حكومة الأستاذ عبد الإله بن كيران في الظروف التاريخية المعروفة، ظل مجال التدافع يفرز قارات هائلة من مشاعر الريبة والشك المتبادلة بين الطرفين المتقابلين. وقد يتطلب الأمر بذل مجهودات جبارة لتذويب جبال الجليد التي لم تعمل تطورات النصف الثاني من القرن الماضي  إلا على ترسيخها وعلى تكريسها كأفق وحيد للفعل وللمبادرة وللتفاعل مع الآخر. هي رؤية للآخر انطلاقا من تراكمات الذات ومن انزياحاتها التي ” فعل ” فيها المخزن ” فعله ” المستدام، وغرس داخل بنياته التوالدية معالم العقم وشروط الاستعداد للانقلاب على كل شيء في سبيل منطق ” القبيلة “، حتى ولو ارتبط هذا ” الكل شيء ” بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة.

       ثانيا – يبدو أن الجميع، على افتراض وجود تيار علماني قائم المعالم وآخر إسلامي متجانس، قد أضحى مقتنعا بضرورة تحيين مواقفه في ضوء المراجعات الضرورية المستلهمة لعنصرين متكاملين في القراءة النقدية الذاتية المباشرة، يرتبط أولاهما بتزايد الوعي بخطورة الجهل المتبادل بين الطرفين وبالتشكيك المبالغ فيه في النوايا، ويرتبط ثانيهما بتزايد الوعي بتعقيدات الواقع التي فرضت على الجميع التخلي عن طوباوياته المطلقة وعن نرجسياته الحالمة. وسواء تعلق الأمر بالعنصر الأول أم بالعنصر الثاني، فالمؤكد أن الجميع بدأ ينحو للاستنجاد بالديمقراطية كآلية وكممارسة وكأفق.

       ثالثا – من الواضح أن الشروط قد نضجت لتيسير شروط الانتقال من الدوائر المغلقة للتفكير، نحو رحابة الاختلاف والقبول بالآخر، بعد أن تأكد الجميع أن لا حل لمشاكل المغرب خارج توافقاته الكبرى، التي تحدث عنها المرحوم محمد عابد الجابري من خلال دعوته ” للكتلة التاريخية “، الأمر الذي وجد امتدادا لتعبيراته لدى الكثير من المنتديات الوطنية، العلمانية والإسلامية. وقد كان نزول شباب جماعة العدل والإحسان ومجموعة من التنظيمات الإسلامية، إلى جانب شباب التنظيمات اليسارية لتأطير حركة 20 فبراير، تعبيرا عن لحظة انتقال تاريخي، كشف عن حجم ” الممكن إنجازه ” من طرف قوى التغيير من أجل تفكيك سلط الاستبداد وتقويض آلة المخزن التسلطية. وقد تعزز الأمر بخطوات تأسيسية دالة، لعل أبرزها قبول حزب التقدم والاشتراكية الدخول في تحالف حكومي مع حزب العدالة والتنمية، وبداية العمل المشترك داخل مشاريع وطنية مشتركة تجمع بين حساسيات علمانية وأخرى إسلامية، مثلما هو الحال مع مبادرة اختيار الأستاذ إسماعيل العلوي رئيسا للجنة الوطنية للحوار حول المجتمع  المدني، حيث التقت فعاليات مدنية من مختلف التيارات قصد تنظيم آفاق الفعل الراشد بالنسبة للمجتمع المدني المتعدد والمتنوع، أو انعقاد – ولربما كان الأمر حدثا غير مسبوق – لندوة وطنية بمدينة الرباط يوم 6 أبريل 2014، جمعت بين حساسيات تنتمي للتيارين من أمثال الأساتذة محمد الساسي والمختار بنعبدلاوي ومحمد حفيظ وفؤاد عبد المومني وعبد الواحد المتوكل وعبد الله الحريف وحسن بناجح. لقد كانت الندوة مناسبة للوقوف على حجم ” الممكن إنجازه ” الذي حددنا آفاقه أعلاه، ورغم أن مجمل المداخلات قد انصبت على تقديم قراءاتها لحصيلة عمل حكومة الأستاذ عبد الإله بن كيران، فإنها – في المقابل – قد أبانت عن العديد من نقاط التلاقي والتقاطع حول القيم الكونية في تنظيم شروط التعايش والاعتراف بالآخر وبتدبير الاختلاف. ولعل في هذا المنحى، توجه شامل نحو التأسيس للآفاق البديلة التي يمكن أن تنصهر داخلها الإرادات والطاقات، مما يمكن أن يشكل عنوانا للمرحلة وللحلم الجماعي في التغيير الحقيقي، رغم كل الكوابح التي تظل منتصبة أو منبعثة من هنا وهناك، وخاصة من طرف الفئات التي يقلقها هذا التقارب الإسلامي – العلماني ويهدد مصالحها وأوجه سطوتها على المشهد السياسي العام. فهل تشكل حادثة اغتيال الطالب عبد الرحيم الحسناوي يوم 25 أبريل 2014 بكلية الحقوق بفاس حدثا معزولا في سياقاته، أم تعبيرا عن توجه واضح لإجهاض كل أنواع التقارب المذكور، خاصة وأن المستهدف – بدرجة واضحة – الندوة التي كان من المنتظر تنظيمها في موضوع ” الإسلاميون، اليسار، الديمقراطية ” من طرف منظمة التجديد الطلابي، برحاب الكلية المذكورة، بمشاركة باحثين يحملون مرجعيات فكرية وسياسية متباينة ؟ بمعنى، أن التخوف من ارتدادات هذه الندوة، ومن تبلور ” خطاب ديمقراطي ” بديل، منفتح على الجميع، شكل تخوفا ” مشروعا ” لكل المنتفعين من قلاع التدجين والاستبداد.

       رابعا – أبانت ندوة 6 أبريل 2014 المذكورة آنفا، أن الأمر لازال في حاجة إلى الاشتغال للتأصيل لإطار نظري ناظم، يمكن أن يشكل أرضية صلبة لانطلاق حوار علماني – إسلامي يستجيب لانتظارات نخب المرحلة ويؤسس لمعالم الوضوح  الفكري الكفيل بجعله تحولا تاريخيا وليس مجرد نزوة عابرة فرضتها انتكاسات المرحلة وانحصار معالم الانتقال الديمقراطي الحقيقي. بمعنى أن العمق الثقافي والفكري يشكل شرطا لازما لأي مبادرة تروم المستقبل وترسم القواعد الثابتة للقطع مع مواقف الرجات الآنية وردود الأفعال الفجائية والاستغلال الوظيفي السياسوي الموجه.

       إنه انتماء للتاريخ قصد بناء المستقبل، وتجاوز لليقينيات ” السهلة ” للانتقال نحو مشاق الديمقراطية، كموقف وكسلوك وكاختيار، بتفرعاتها المتشابكة والكثيفة المؤطرة لسلوك الفرد والجماعة، والمستندة إلى الزاد النظري والفلسفي الناظم للقيم الكونية في التعايش وفي الاختلاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock