كورونا ما بين حسابات الخسارة والربح

أبريل 15, 2020
690 مشاهدة

ياسين عالية أستاذ في الاقتصاد و عضو مؤسس في حركة ” معا”

لم يخطر ببال الباحثين والمنظرين ظهور جائحة توقف عقارب الساعة وتضع مصير تطور الأنشطة الإنسانية في موقع الركود والتراجع، مثلما فعل فيروس كوفيد 19. لم يستثن الوباء العظيم قطرا من الأقطار ولم يأبه إلى الفروقات الصارخة بين الأمم تقدما أو تخلفا، بل سار وفق سنن الله الطبيعية في الخلق، ومن يملك لسنن الله تبديلا. ولعل التفكر في سنن الله والأخذ بالعظة منها يتطلب جردا وقراءة في نتائج هذه الجائحة، وتصنيفها وفق مبدأي الربح والخسارة رغم أن الأصل فيها مفسدة وابتلاء، لكن في كل نقمة تتخفى مظاهر النعم والفرص التي وجب على الإنسان المتبصر والمتيقظ استنباطها وفهمها، ثم نشرها بين الناس إحياء لأمالهم واستنهاضا لهممهم وتجديدا لأهدافهم.
إن أول معايير التقييم هو العامل البشري، فقد أعمل الفيروس تقتيلا في صفوف المرضى الذين قاربوا المليونين، بلغ الموتى منهم 120 ألف شخص حتى ساعة كتابة هذه السطور. مأساة حقيقية جعلت شبح الموت يجري بيننا مجرى الهواء، وبعضنا يحملون معهم سلاح دمار شامل يفتك بكل من يلامسه دونما قصد، مع كل الآثار النفسية و البدنية و الندوب العميقة التي ستبقى محفورة في نفوس المرضى المتشافَيْن و ذوي المرضى المفقودين الذين لم ينعموا بحق توديع ذويهم و اكتفوا بنظرات ترمق جثامينهم عن بعد. في ظل هذا الوضع البائس يقف المشتغلون في قطاع الصحة من أطباء وممرضين وأطقم إسعاف وإداريين، مصطفين في خط المواجهة الأول ضد هذا العدو اللامرئي، تقع الآمال على عاتقهم وتحسب الخيبات في نقائصهم. لقد أثبتوا جميعا عن شجاعة العنصر البشري في مقابل منظري السياسة المقصرين في توفير الأجهزة والأدوات الضرورية في هذه الحالات. وتأكد بالملموس سوء تنظير دعاة خصخصة قطاع الصحة بالمطلق وتخلي الدولة عن دورها في القطاعات الاجتماعية وعن دورها الراعي لصحة مواطنيها. ورغم الثمن الباهض الذي أديناه، كسبنا رجاحة مبدإ ضمان الرعاية الاجتماعية ونأمل استعادة الدولة لدورها في هذا المجال.

بين الخسارة والربح

كل هذه الخسائر البشرية تفاقمت تداعياتها اجتماعيا واقتصاديا، فلم يسبق في تاريخ البشرية أن يحجز نصف سكان الأرض أنفسهم داخل بيوتهم ويخضعوا مجبرين لإجراءات الحجر الصحي، فتقطعت الوشائج الأسرية وانعدمت التجمعات في المجالات العامة داخل دور العبادة والملاعب والمقاهي والمطاعم ودور السينما والمسارح… وتوقفت ماكينة الإنتاج العالمي مع ما يصاحبها من ارتفاع للبطالة وقلة الطلب على السلع وانهيار المؤشرات الاقتصادية والأسواق المالية. اكتشفنا زيف أسطورة المنتظم الدولي والتعاون المشترك، وكشرت كل دولة عن أنيابها في أنانية مفرطة، وعادت الدولة الوطنية والمصالح العليا لتحكم كل الإجراءات المتخذة، وتعرت رعونة الدول المتقدمة بتخليها عن القطاعات الصناعية وخضوعها لمصالح الشركات المتعددة الجنسيات الباحثة عن أقل كلفة لإنتاجها، واغترارها بواقع اقتصادي مبني على الاقتصاد الرقمي والجيل الرابع من الثورات الاقتصادية والمعرفية المدعوم بشيوع النمط الاستهلاكي المفرط في كل بقاع العالم، والذي يقيس مدى تقدم الدول بمدى انخراطها فيه. كل مظاهر الأزمة الخانقة تبدت جلية دونما قدرة لكل الباراديغمات والنظريات الاقتصادية والاجتماعية على تقديم الحلول الممكنة لاستعادة الحياة جزء من نسقها. في مقابل هذه الخسائر الجمة استعادت روح العطاء بين الأفراد والطبقات المجتمعية زخمها، وارتفع مستوى التضامن في تكريس لعودة روح أنسنة المجتمعات، بل امتد التعاطف والتآزر إلى ما وراء الحدود الجغرافية المغلقة، واستغل الناس العالم الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي في بث رسائل الاطمئنان والبحث عن الحلول للمعوزين والمحتاجين. وساهم التقدم التكنولوجي في الاستعاضة عن الالتقاء المباشر باللقاءات عن بعد، فازدهرت المنتديات العائلية، وتطورت الدروس عن بعد وارتفع مستوى الإدراك العام للوظائف الحقيقية لوسائل التواصل الاجتماعي، واستعادت الهامات العلمية والثقافية مكانتها، وتراجع نجوم التفاهة والرداءة، وتحول العامة إلى فهم أبجديات الحياة المجتمعية السليمة، واستفاق جزء مهم من تخدير الإعلام التافه المبني على الفضائح. وعضد هذا التحول تراجع النخب الاقتصادية الريعية وانحسارها أمام بروز التجارب التصنيعية المجددة المستجيبة لحاجيات المجتمع الحقيقي لعل أبرزها التوجه نحو إنتاج الكمامات وأجهزة التنفس والأقنعة… ناهيك عن الانكباب على البحث العلمي في سبيل إيجاد لقاح أو دواء ناجع.

ماذا بعد…؟

كل حسابات الربح والخسارة التي تقدمت على سبيل المثال لا الحصر تقودنا إلى استنباط فكرة أساسية هي: ما بعد الكورونا يعطي إرهاصات بالعودة نحو أنسنة المجتمع، وصعود موجات الانتماء الاجتماعي داخل الدولة الواحدة، في مقابل تعزيز التوجه نحو الفردانية في العلاقات الدولية واستمرار تصاعد فكر الدولة الوطنية، مع ما يلي ذلك من نذر وتحذيرات من الويلات الناتجة عن هذا التوجه. ولا جرم أننا في عالمنا العربي نعيش أوضاع متشابهة في السياقات المجتمعية والاقتصادية، التي أفرزت طبقية مقيتة ستشهد توسعا مضطردا للطبقات الفقيرة والهشة بفعل النتائج الاقتصادية التي سقناها، مما سيدفع الأنظمة المتسلطة للزيادة في سطوتها وإحكام قبضتها لم تستعض عن ذلك باستثمار حسابات الربح وتعزيزها في افق النهضة المجتمعية المنتظرة طيلة قرون الانحطاط التي عشناها، ما سيجعلها قادرة على المواجهة والاستمرار في عالم يتوحش يوما بعد يوم، فهل نستجيب لنداء القدر؟؟؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك